محمد فتحي

كان مهيباً بنظارته الشمسية الغالية، وعضلاته المفتولة التي تبرز من تحت سترته رغم حرصه على إخفائها، ولم أكن في حاجة لأن ألمح المسدس الذي تدلى من جراب تحت إبطه لم أره سوى في الأفلام الأمريكية، لدرجة أنني لم أعترض وهو يسحبني من يدي بعيداً عن سرادق العزاء في عمر مكرم، وهو يقول لي في حزم "عقيد طارق الديب من مخابرات الحرس الجمهوري"..
قلت مأخوذاً: "أهلاً وسهلاً يا ابني". لم ينتظر حتى أتكلم ثانية، وإنما انطلق في الكلام معطياً إياي فرصة الرد على قدر الحاجة..
- البقية ف حياتك سعادتك
- حياتك الباقية يا ابني
- سعادتك احنا مقدرين حالة الحزن اللي حضرتكم فيها بس أمن البلد فوق كل اعتبارات
- طبعاً
- لذلك سعادتك فيه إجراءات أمنية متبعة عشان تأمين موكب سيادة الريس
- هو موكب سعادته هيعدي من هنا
- سعادتك دي معلومات مش مصرح لي أتكلم فيها، لكن المفروض إن أعلى قيادة في البلد جاية تعزي في العزاء اللي في القاعة المجاورة، ولذلك هاستأذن سعادتك نشوف شغلنا
- اللي هو إيه يا ابني.. اوعوا تكونوا هتمشونا
- لأ طبعاً يا فندم.. سيادة الريس مؤكد علينا احترام حرمة المكان
- حيث كده الحمد لله إننا ماعملناهوش في الشارع زي ما أمي كانت عاوزة
- سعادتك بس مضطرين نعمل عملية مسح على الألغام
- في الجامع؟
- سعادتك احنا ف قاعة ملحقة بالجامع، ومش بعيد حد يكون مندس وسط حشد المعزين اللي جم لسيادتك، وع العموم ماتقلقش، كل شيء هيتم في هدوء وبأحدث الأجهزة
- عيني يا ابني
- بس سعادتك لازم أي أجهزة لاسلكية أو محمول تتجمع بعيد عن مكان الفحص
- يعني أخرج الناس يا ابني
- زي ما تحب سعادتك.. سواء تخرجهم أو أشوف أي فرد من معايا يتعامل معاهم
- يا نهار إسود.. يتعامل معاهم ازاي.. إنت عاوز تقتلهم
- يا باشا سعادتك فهمتني غلط، لو تحب تخرجهم تحت أمرك، ماتحبش الرجالة معايا من الحرس هيفوتوا عليهم ويجمعوا كل أجهزة المحمول واستردادها سعادتك هيكون بعد انتهاء زيارة سيادة الريس من النقيب "علاء وحيد"..
أخرج اللاسلكي من جيبه قبل أن يعطيني فرصة التفكير وأردف: "نقيب علاء وحيد... آلو عمليات.. نقيب علاء وحيد الحضور حالاً لتأمين الموكب وجمع أجهزة المحمول ومسح الألغام".
لم يكد يتم عبارته حتى برز عدة أشخاص صورة طبق الأصل بعضلاتهم ونظاراتهم الشمسية وسماعاتهم غريبة الشكل، اكتفى فقط بالإشارة إليهم بإصبعه قبل أن يلتفت لي وهو يقول: سعادتك معاهم عشان تفهم الناس من المعزين.. آسفين سيادتك يا باشا مرة تانية..
أومأت برأسي متفهماً وشكرته على ذوقه وأنا ألعن اللحظة التي وافقت فيها على عزاء عمر مكرم لوالدي، والتي أصرت زوجتي على أن يكون في عمر مكرم "عشان يبقى أبوك مات بجد"، ولم يعترض أحد من الحاضرين على شيء حتى جمع الحرس ما يقرب من 200 جهاز موبايل ولم يستثنوا حتى المقرئ الذي أعطاهم جهازه وارتشف رشفة من الينسون قبل أن يكمل تلاوته وفي أقل من خمس دقائق كان كل شيء عند العقيد "طارق" الذي شكرني بدماثة أخلاق فريدة، وأعطى التمام في اللاسلكي، لنسمع بعدها صوت سرينة الموكب، ويستأذنني الجميع ليباشروا عملهم.
ظلت سرينة الموكب تقترب وتقترب وتقترب، حتى مرت من أمام المسجد سيارة متواضعة تطلق النفير المميز للموكب.
اندهشت من كون السيد رئيس الجمهورية يستخدم في تنقلاته سيارة نصر 128 لكنني كنت سمعت كثيراً عن تواضعه، واعتقدت أن الأمر سينتهي على خير، وبمنتهى السرعة حتى يعود الرجل سريعاً إلى قصره.
لكن السيارة لم تتوقف بل أكملت سيرها، ومن خلفها لم يظهر أي شيء.
لا موكب ولا موتوسيكلات حراسة ولا عربات مرسيدس ولا حتى توك توك يحمل علم مصر.
ألقيت نظرة على العزاء المجاور فوجدته ينتهي وتخرج منه الناس مسرعة، وتلفت حولي باحثاً عن العقيد "طارق" فلم أجده.
ذهبت مع 200 شخص عند مجمع التحرير لنسترد أجهزة المحمول لكن فجأة، ودون سابق إنذار طوقتنا قوات أمن مركزي لا أدري كيف لم نلحظها وقال كبيرهم الذي علمهم الضرب: "هم دول البهوات بتوع حركة كفاية اللي اتبلغنا عن مظاهرتهم... حرموهم يتظاهروا تاني ولاد الكلب"، ووجدنا العصيان تنهال على رءوسنا.
فيما بعد نشرت الصحف خبراً صغيراً عن سرقة 200 جهاز محمول بحجة تأمين حراسة السيد الرئيس، ولم تذكر شيئاً عن إصابة 70 في اشتباكات مع قوات الأمن المركزي عند مجمع التحرير، وكنت أحد المصابين...

